الاتحاد المغربي للشغل

   

 

المسار التاريخي والنضالي للترقية الداخلية بقطاع التعليم

 

1 ـ الترقية الداخلية بالاختيار.

 

   شكل مطلب الترقية الداخلية  إحدى أبرز نقاط الخلاف ـ النزاع بين النقابات التعليمية المغربية الموزعة والمنشطرة ، ومختلف الحكومات المتعاقبة ... مع الاعتراف بوجود خلافات جوهرية بين مختلف النقابات التعليمية ، بل حتى داخل النقابة الواحدة .

    يتفق الجميع على أن هذا الملف /الإشكالية بـدأ مع صدور المرسوم رقم 742. 85 . 2 . الصادر بتاريخ 4 أكتوبر 1985 . بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، هذا القانون الذي زكته وطبلت له النقابة التعليمية المهيمنة آنذاك، بل واعتبرت أنه أتى بأهم مكتسب لصالح نساء ورجال التعليم، أي نظام الترقية الداخلية. في حين عارضته الجامعة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل لمجموعة من الاعتبارات نذكر من بينها على وجه الخصوص:

ـ استثنى الموظفين المرتبيــن في السلالم من 1 إلى 6.

ـ وضع مقاييس للترقية تتميز بمفارقات تختلف من إطار إلى إطار آخــر.

ـ اعتمد الأقدمية في الإطار في الترقية عوض الأقدمية في السلم ( الأقدمية العامة ).

ـ حصر الترقية في نسب مائوية محددة ، واعتمد نظام الحصيص ( الكوطا) بربط الترقية بالمناصب المالية المحدثة .

ـ وزع الأطر التعليمية الى فئات متعددة دون مبرر تربوي .

ـ تراجع عن الطابع الطوعي الأصلي للساعات الإضافية ، وأقرها بصفة رسمية ونهائية ..

وطالبت الجامعة الوطنية للتعليم من خلال مذكرة وضعت لدى وزير التربية الوطنية بتاريخ   26 ـ 11 ـ1986 ،تحت رقم 44 ـ 86 ، بمراجعة المرسوم الجديد على أساس أن يشمل كل موظفي الوزارة ، خاصة منهم المرتبين في السلالم من 1 الى 6 ، وأن يعتمد نظام يتميز بتوحيد مقاييس وشروط الترقية وتعميمها على سائر موظفي الوزارة ،وأن يعتمد الأقدمية العامة في الترقي عوض الأقدمية في الإطار، وأن يتخلى عن نظام الحصيص ( الكوطا ) ،بما يعني عدم ربط الترقية الداخلية بالمناصب المالية المحدثة ...

كما ألحت الجامعة الوطنية للتعليم على ضرورة إنصاف عمال التربية الوطنية وذلك بوضع نظام أساسي خاص بهم يضبط العلاقات والحقوق والواجبات.

باختصار شديد، اعتبرت الجامعة الوطنية للتعليم أن النظام الأساسي  لسنة  1985 غير متوازن ، غير عادل ، غير منصف وغير محفز .. وهذا ما تأكد عمليا بعد تاريخ قصير من تفعيله ،حيث خلف ضحايا بالجملة ، خاصة بالتعليم الأساسي بسلكيه( الابتدائي والإعدادي ). وفعلا أدى نظام الحصيص الى تجميد الترقية الداخلية بالسلك الأول من 1989 إلى 1995 ، كما أن المعدل السنوي  للمستفيدين منذ بداية العمل به لم يتجاوز 6000 حالة ، وهو رقم هزيل جدا. ـ مما كان له انعكاسات سلبية / خطيرة  على الأوضاع المادية والاجتماعية

 

والتربوية للمتضررين، وساهم في زرع اليأس والإحباط وتوسيع دائرة الاحتجاج والتذمر والسخط في صفوف الأسرة التعليمية.وتجدر الإشارة هنا إلى أن المرحلة التي تم فيها إقرار نظام الترقية الداخلية الجديد ، تميزت بتطبيق المغرب لبرامج التقويم الهيكلي المملات من قبل المؤسسات المالية الدولية ـ مرحلة تخلت فيها الدولة عن النفقات  والخدمات الاجتماعية في القطاع العمومي والوظيفة العمومية ، بما في ذلك التخلي عن خلق مناصب شغل جديدة ، وتجميد الأجور ... وذلك بما يخدم استعادة ما يسمى بالتوازنات المالية والماكرو اقتصادية .. وأمام تردي وتدهور أوضاع العاملين بالتعليم ، ولامتصاص الغضب المتصاعد للأسرة التعليمية ، تم اللجوء، في إطار ما يعرف بتصريح فاتح غشت 1996 ، الى اتفاق قضى  بالترقية في الدرجة ، بصفة استثنائية ، لجميع الموظفين الخاضعين لمقتضيات المرسوم رقم 742، 85، 02 بتاريخ 4 أكتوبر 1985 ، بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية ، وذلك خارج الحصيص القانوني بالنسبة للمتوفرين منهم على الشروط النظامية الى غاية 31 دجنبر 1996 ، وتأدية المستحقات المادية الناتجة عن هذه الترقية الاستثنائية على ثلاث دفعات بأقساط متساوية ابتداء من فاتح يوليوز من سنوات 1997 ـ 1998 ـ 1999 . وسرعان ما تبين أن الترقية الاستثنائية لفاتح غشت 1996 لم تنه النزاع داخل القطاع ، بل عمقت التفاوتات والتمييز بين العاملين بالابتدائي والإعدادي والثانوي ، بل داخل نفس السلك، خاصة بالابتدائي والإعدادي ـ هذا التمييز / الحيف /الاختلالات / الثغرات / السلبيات الكامنة في جوهر نظام الترقية نفسه ، أدى الى اختناقات جديدة داخل صفوف نساء ورجال التعليم ، وبالتالي الى توتر جديد في العلاقات المهنية بين الوزارة والأسرة التعليمية ـ فانضاف الى المتضررين  السابقين ضحايا جدد  لسنوات 1997 ـ 1998 ـ 1999. الشيء الذي أدى من جديد الى اعتماد الترقية الاستثنائية ، في إطار ما سمي باتفاق 19 محرم 1421 ، لصالح المتوفرين على الشروط النظامية الى غاية 31 ـ 12 ـ 1999 ، وصرف المستحقات المالية الناتجة عن هذه الترقية على ثلاث أقساط متساوية : الدفعة الأولى ابتداء من 01 ـ 07 ـ 2000 والثانية ابتداء من 01 ـ 01 ـ 2001 والدفعة الأخيرة ابتداء من 01 ـ 01 ـ 2002 .

وفي بداية الموسم الاجتماعي 1999 ـ 2000 ، ورغم استفادة أعداد مهمة من نساء ورجال التعليم من الترقية الاستثنائية السالفة الذكر ( تصريح فاتح غشت 1996 واتفاق 19 محرم 1421)، وبعد تقييم دقيق لنتائج ومخلفات الترقية الداخلية في ارتباطها بالنظام الأساسي لسنة 1985 ، تقدمت الجامعة الوطنية للتعليم بمذكرة الى وزير التربية الوطنية تدعوه فيها الى فتح حوار جدي ومسئول من أجل مراجعة النظام الأساسي لسنة 1985 ونظام التعويضات لسنة 1988 لأنهما أضحيا غير مواكبين  لمستجدات الساحة التعليمية وغير مستجيبين لأمال وطموحات نساء ورجال التعليم ، وغير محفزين لدفعهم واقتناعهم بالمشاركة الفعلية لإنجاح الميثاق الوطني  للتربية والتكوين . وأمام تجاهل الحكومة لنداء الجامعة الوطنية للتعليم ، قررت نقابتنا خوض النضالات التالية : إضراب إنذاري يومي 7 و 8 دجنبر 1999 ، وقفة احتجاجية وطنية أمام وزارة التربية الوطنية بالرباط يوم 11 فبراير 2000 ،إضرابات انذارية أيام 17 و 18 و 23 و 24 فبراير 2000 . ونتيجة هذا الزخم النضالي النوعي الجديد ،عقد بتاريخ 11 دجنبر 2000، اجتماع مع وزير التربية الوطنية ، تم خلاله  الاتفاق على فتح حوار جاد ومسئول من أجل صياغة نظام أساسي جديد ومراجعة نظام التعويضات المعمول به الى حدود الساعة .

وفعلا بدأ التفاوض النقابي الحكومي حول تفعيل اتفاق 11 دجنبر 2000 ،تفاوض امتد من 17 يناير 2001 الى بداية يوليوز 2001 ، وتوج بالاتفاق على الصيغة النهائية للنظام الأساسي ونظام التعويضات ـ كما التزم وزير التربية الوطنية بتقديم النظامين الى المجلس الحكومي حتى تتمكن الحكومة من تنفيذ الاتفاق ابتداء من يناير 2002 ، كما نص ذلك اتفاق 11 دجنبر 2000 .

وبعد ستة أشهر من المفاوضات المسترسلة ( كل أسبوع  تقريبا في إطار لجن الخبراء ) ، تم التوافق بين وزارة التربية الوطنية والنقابات التعليمية الثلاث على الصيغة النهائية لمشروع نظام أساسي  يتجاوز ثغرات نظام 1985 ، ينصف الفئات المتضررة ، يفتح باب الترقي لجميع الفئات التعليمية المستحقة  طيلة المسار المهني ، نظام عصري ديموقراطي ومحفز ، يؤسس لبداية علاقات مهنية مبنية على التشاور والشراكة والتعاون .

لكن المفاجأة أتتنا من الحكومة التي تنكرت للاتفاق . مما فرض علينا التحرك لمتابعة ما تم التوصل إليه مع وزير التربية الوطنية. وهكذا قدمنا مذكرة مطلبية الى الدوائر الحكومية المعنية ، وعقدنا اتصالات مباشرة مع كل من الوزير المكلف بالشؤون العامة للحكومة، ووزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، ورئيس اللجنة الوطنية الخاصة بإصلاح نظام التربية والتكوين مستشار الملك ، ووزير التربية الوطنية ، ووزير الاقتصاد والمالية . وفي 15 أكتوبر 2001، عقدنا ندوة صحفية، وضحنا خلالها تفاصيل عملنا وآخر مستجدات الموقف الحكومي والموقف النقابي.وأمام رفض الحكومة الوفاء بالتزاماتها ،قررت النقابات  الدخول في برنامج نضالي مرحلي تمثل في خوض إضرابين وطنيين أيام 13 و 14 نونبر. و 11 ، 12 ، 13 دجنبر 2001 ، مع تنظيم وقفة احتجاجية أمام وزارة المالية ( تم منعها بالقوة..).  ومباشرة بعد نجاح الإضرابات السالفة الذكر، بدأ التفاوض  من جديد بين الحكومة والنقابات التعليمية.  لكن تصلب موقف وزارة المالية أثناء التفاوض حول مشروع النظام الأساسي الجديد ، وعدم استماتة وزارة التربية الوطنية في الدفاع عن المشروع المتوافق عليه ، حـال دون تبنيـه في نسخته الأصلية ـ هكذا أدخلت عليه تعديلات للتخفيف من الانعكاسات المالية المحتملــة دون مراعاة النتائج السلبية لهذه التعديلات التراجعية على المنظومة التربوية وعلى مستقبل العلاقات المهنية داخل القطاع . وقد حملت  النقابات  التعليمية الطرف الحكومي المسؤولية في كل ما يمكن أن يترتب عن موقف الحكومة المتعنت من مضاعفات ستعيد لا محالة إنتاج نفس التوتر والنزاع ... وفي الوقت الذي كانت فيه النقابات تتهيأ لخوض إضراب 14 ـ 15 ـ 16 ـ 17 مايو 2002 ، والدخول في أشكال احتجاجية، بما في ذلك مقاطعة الامتحانات  وتنظيـم مسيرة وطنية بالرباط ، ردا على فشل الحوار مع الحكومة حول الغلاف المالي الخاص بنظام التعويضات ، وبعد مشاورات دامت زهاء 6 ساعات بناء على العرض / التحكيم الذي تقدم به الوزير الأول،تم التوصل، ليلة 13 مايو 2002 ، بمقر الوزارة الأولى الى توافق يقضي بتخصيص  غـلاف مالي يقـدر بأربعة ملاييـر من الدراهم توزع على أربع سنوات ابتداء من فاتـح شتنبر 2002 .

 

ما هي أهم المكتسبات التي أتى بها النظام الأساسي لسنة 2003 مقارنة مع نظام 1985

 

1 ـ إلغاء نظام الحصيص (الكوطا)، الذي كان يقيد الترقية الداخلية بالمناصب المالية المحدثة، وتعويضه بنظام جديد يستفيد منه سنويا الآلاف من نساء ورجال التعليم في حــدود 22 في المائة من عدد المستوفين لشروط الترقي، موزعة بين 11 في المائة بالاختيار، و11 فــي المائة بالامتحـان المهني، و22 في المائة بالنسبة للترقية بالاختيـار الى الدرجة الممتـازة .

2 ـ توحيد الشروط النظامية للترقية وتعميمها على جميع الفئات التعليمية، سواء بالاختيار

 (10 سنوات الى حدود السلم 11)، أو بواسطة الامتحان المهني ( 6 سنوات الى حدود السلم 11، علما أن نظـام 1985 لم يكن يسمـح بالترقــي بالامتحان المهني من السلم 10 الى السلم 11 .

3 ـ فتح باب الترقي الى درجة موازية للسلم 11 لبعض الفئات التي لم يكن مسموحا لهــا بالاستفادة في ظل نظام 1985 ، وخاصة منهم المعلمون المعاد إدماجهم في اطارأساتذة التعليم الابتدائي وحراس الخارجية ،ومحضري المختبرات المعاد إدماجهم في اطارالملحقين التربويين.

4 ـ اعتماد قاعدة 15 سنة أقدمية عامة منها 6 سنوات في السلم ، لإنصاف الفئات المتضررة من نظام 1985 ـ كما أتاح هذه الإمكانية للفئات التي غيرت الإطار بعـد خضوعها لتكويــن  (المستشارون في التوجيه والتخطيط ، أساتذة الثانوي ألتأهيلي ، مفتشوا الابتدائي السلـم 10  الحاصلين على شهادة مفتــش ).                          

5 ـ فتح باب الترقي الى السلم 11 للعاملين بالابتدائي ، عوض السلم 10 في نظـــام 1985 .

6 ـ إضافة 3 رتب استثنائية في السلم 11 لأساتذة الابتدائي والإعدادي [ مع تخصيــص تعويض خاص للسلم 11 ( ج ).

7 ـ الإسراع بوضع إجراءات استثنائية لترقية المرتبين في السلمين 7 و 8 الى السلـم 9، وذلك بعد مرور أربع سنوات من تطبيـق النـظـام الأساسـي الجديـد .

8 ـ استفادة كل موظفي التعليم العالي الخاضعين للنظام الأساسي لسنة 1985 من مقتضيـات النظام الأساسي الجديد، ومن نظام التعويضات.

هل تجاوز النظام الأساسي ل 10 فبراير 2003 ثغرات نظام 1985 ؟  هل أنهى التوتر والنزاع داخل الساحة التعليمية ؟ .

لا طبعـا ، وذلك لدواعي متعددة نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر :

1 ـ غياب رؤية شمولية بعيدة الأمد لدى الحكومة التي غلبت المنطق التبريري/الإيديولوجي/

 التقنقراطي / المالي الصرف أثناء كل مراحل التفاوض دون مراعاة الانعكاسات السلبية الخطيرة  على النظام التعليمي وعلى مستقبل العلاقات المهنية داخل القطاع ،غير مبالية بالاقتراحات والتحذيرات  النقابية في الموضوع .

2 ـ أقدم الطرف الحكومي ، بشكل انفرادي على إدخال تعديلات  مهمة وعميقة على مشروع النظام الأساسي المتوافق حوله ، خاصة بعض المواد التي مست الهيئات التعليمية التالية : التأطير والمراقبة التربوية ، التدريس ، التسيير والمراقبة المادية والمالية ، التوجيه والتخطيط التربوي ، الملحقون التربويون .. بالإضافة للبندين المتعلقين بالشهادات الجامعية وبتشكيل لجنة ثلاثية يعهد إليها النظر في ملفات الفئات التعليمية التي لحقها ضرر في النظام الأساسي لسنة 1985 ، خاصة منها ترقية أساتذة السلك الأول إعدادي .

 

3 ـ عدم تفعيل الاتفاق الخاص بالترقية الداخلية لسنوات 2000 ـ 2001 ـ 2002 ـ

4 ـ تجاهل المذكرة المطلبية التي تقدمت بها الجامعة الوطنية للتعليم بتاريخ 04 يناير 2003، في شأن العودة الى الصيغة الأصلية لمشروع النظام الأساسي الجديد المتفق عليه بين الحكومة والنقابات التعليمية ...

وقد نتج عن هذا السلوك اللامسؤول واللاديموقراطي ، ردود أفعال متعددة ، تجسدت في حركات احتجاجية عفوية ومظمة ،للمطالبة بالوفاء بالالتزامات والتعاقدات التي تمت في اطار الحوار الحكومي النقابي التعليمي . الشيء الذي دفع بالحكومة الى فتح حوار جديد امتد بين 3 شتنبر 2003 و 8 يناير 2004 ، تحت اشراف الوزير الأول ، وبحضور الأطراف الحكومية المعنية ( المالية ـ الوظيفة العمومية ـ التربية الوطنية ) ، حوار توج بالتوقيع على ما أصبح يعرف باتفاق 28 يناير 2004 . وهو الاتفاق الذي تحفظت عليه الجامعة الوطنية للتعليم لوحدها ، في حين صادقت عليه كل النقابات التعليمية الأخرى ( أربع نقابات ) ، تحفظ حول ترقية ملف أساتذة السلك الأول وترقية ما تبقى من أفواج 2000 ـ 2001 ـ 2002 ـ.

وللتوضيح فقط،  تتشكل مواد اتفاق 28 يناير 2004، من المواد التي تم التراجع عنها بشكل انفرادي من طرف الحكومة ـ أليس هذا العبث بعينه ؟ أهذا هو التدبير العقلاني للملفات وللزمن ؟ . وكان لتحفظ الجامعة الوطنية للتعليم ، الذي لم يرق الطرف الحكومي ، صدى طيبا واسعا داخل صفوف الفئات المتضررة ، خاصة أساتذة الآعدادي . وبالفعل ، تصاعد النزاع الاجتماعي بين أساتذة الإعدادي المتضررين من الترقيات  الداخلية السابقة ، ووزارة التربية الوطنية ، مما خلق أوضاعا استثنائية داخل المؤسسات التعليمية ، وساهم في انتشار التذمر والاستياء والميوعة والفوضى والارتباك واللامسؤولية داخل الأسرة التعليمية ، لدرجة أصبح فيها مستقبل التلاميذ والمنظومة التربوية مهددا نتيجة ردود أفعال غريبة وأنانيات من جهة ، وتعنــت ولامبالاة  الحكومة وتجاهلها للدعوات النقابية بهدف إيجاد حل حقيقــي لملف أساتــذة التعليم الإعدادي . ولم يهدأ هذا الوضع الاستثنائي الذي ساهمت في بروزه واستمراره النقابات التعليمية الموقعة على اتفاق 28 يناير 2004 ، إلا بعد تحرك النقابات الخمس ،لينتهي هذا المسلسل العبثي بالتوقيع على اتفاق 14 دجنبر 2005 ، بشأن ملف ترقية أساتذة الإعدادي المتضررين ـ علما أن الاتفاق لم ينصف الجميع ، بل لا زال لم يفعل بشكل نهائي لحدود الساعة .

وفي بداية الموسم الدراسي 2006 ـ 2007 رفعت النقابات التعليمية مذكرات مطلبية الى وزير التربية الوطنية ، تطالبه من خلالها بضرورة فتح حوار جدي ومسئول لتدارس وتجاوز ثغرات وسلبيات النظام الأساسي الجديد ( 10 فبراير 2003  مع التعديلات التي رافقته لاحقا)، ونظام التعويضات ، بل حذرت بالمواجهة التصعيدية في حالة عدم استجابة الوزارة للمطالب النقابية، خاصة منها نظام الترقية الداخلية .

وقد تميز الموسم الاجتماعي 2006 ـ 2007  بحوارات مكثفة بين وزارة التربية الوطنية والنقابات التعليمية الخمس ، اشتغلت خلالها لجان موضوعاتية مشتركة ( لجنة النظام الأساسي ـ لجنة أنظمة التعويضات ـ لجنة وضعية بعض الفئات). وفي فاتح غشت 2007، تم الاتفاق بين وزير التربية الوطنية والنقابات التعليمية، على رفع مذكرة الى الوزير الأول، مذكرة تتضمن ما تم الاتفاق حوله بعد سنة كاملة من التفاوض . ويتعلق الأمر بمراجعة بعض مقتضيات النظام الأساسي ل 10 فبراير 2003 التي لا تستجيب لطبيعة المرحلة ولا إلى آمال وطموحات نساء ورجال التعليم ، مراجعة ستساهم في تحفيز العاملين بالتعليم بهدف مساهمتهم في إنجاح المنظومة التربوية والرفع من المر دودية وتحسين جودة الخدمات ... وهي تعديلات مرتبطة بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين مختلف الأطر والفئات التعليمية  العاملة بالوزارة سواء الخاضعة منها للنظام الأساسي أو المنتمية الى ما يسمى بالقطاع المشترك. وفيما يخص نظام الترقية الداخلية ، تتمثل التعديلات الجديدة المتفق عليها في :

1 ـ تعميم الترقية الداخلية الى الدرجة الممتازة على جميع فئات الموظفين الذين لا يستفيدون حاليا من هذه الدرجة ( أساتذة التعليم الابتدائي ـ أساتذة التعليم الثانوي /الإعدادي ـ هيأة الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي  ) .

2 ـ إحداث درجة جديدة للموظفين المرتبين حاليا في الدرجة الممتازة ( أساتذة الثانوي ألتأهيلي ـ الأساتذة المبرزون ـ المستشارون في التوجيه والتخطيط ـ الممونون ـ المفتشون بمختلف أصنافهم.

3 ـ تمديد العمل بالفترة الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 112 من النظام الأساسي لفائدة الفئات التي كانت تستفيد من الترشيح للترقي بالاختيار من الدرجة الثالثة الى الدرجة الثانية باعتماد قاعدة 15 سنة كأقدمية عامة منها 6 سنوات في الدرجــة .

4 ـ الرفع من نسبة الترقي بالاختيار وامتحان الكفاءة المهنية باعتماد نسبة 33 % علـى الأقـل بدلا من 22 %.

5 ـ اعتماد شرط 4 سنوات من الأقدمية في الدرجة بدلا من 6 سنوات للترشيح لاجتياز امتحان الكفاءة المهنية.

6 ـ الرفع من قيمة الأرقام الاستدلالية في الرتبة والدرجة .

ومن جانب آخر، تضمنت المذكرة ترقية بعض الفئات المنتمية الى ما يسمى بالأطر المشتركة خاصة :

ـ ترقية الأعوان العموميين المستوفين للشروط النظامية المطلوبة برسم سنوات 2000 ـ 2001 ـ 2002 ـ على غرار باقي موظفي الدولة ومعالجة الحالات العالقة لهذه الفئة .

ـ تسريع وتيرة ترقية بعض الفئات من أساتذة التعليم الابتدائي .

ـ الترقي بواسطة امتحان الكفاءة المهنية الى الدرجة المرتبة في السلم 5 لفائدة فئة الأعوان الموضوعة في طور الانقراض .

ـ إيجاد صيغة لتسريع وتيرة ترقية من تبقى من المحللين العاملين بالقطاع برسم سنة 2007.

ـ تسريع وتيرة الترقية عن طريق الاختيار وامتحان الكفاءة المهنية لفائدة الأعوان .

ـ تسريع وتيرة ترقية الأطر الموضوعة في طور الانقراض .

ـ تسريع وتيرة ترقية الفئات التي تعرف تراكمات .

 

2 ـ الترقيـة بواسطـة امتحان الكفاءة المهنيـة :

 

بالنسبة لنظام 1985 ، كان الشرط النظامي المطلوب لاجتياز الامتحان المهني  هو توفر المرشح على أربع سنوات من العمل الفعلي في الدرجة ، إلا أن تنظيم الامتحان كان يخضع بدوره لنظام الحصيص ( الكوطا ) الذي كان مرتبطا بالتوفر على مناصب مالية شاغرة ، الشيء الذي لم يكن يسمح  للوزارة بتنظيمه بصفة منتظمة وقارة .

كما أن النظام الأساسي ل 1985 لم يكن يسمح بالترقي بواسطة امتحان الكفاءة المهنية من السلم 10 الى السلم 11 . أما نظام 10 فبراير 2003 فخصص نسبة 11% سنويا بالنسبة للترقي بواسطة امتحان الكفاءة المهنية ، مما يسمح للوزارة بتنظيمه سنويا وبشكل منتظم ، علما أن قاعدة الاحتساب تشمل كل من استوفى شروط اجتياز الامتحان المهني، أي 6 سنوات وأكثر ، وهي القاعدة التي تسمح بترقية أعداد مهمة من نساء ورجال التعليم .

وللوهلة الأولى يبدو أن هناك تراجع ما مقارنة مع نظام 1985 ( الانتقال من 4 سنوات الى 6. اعتقد شخصيا أن هذا الطرح غير مقنع، تبريري وديماغوجي، و لا يأخذ بعين الاعتبار الخلاف الجوهري والنوعي في النظامين ـ وتكفي المقارنة بين عدد المستفيدين من امتحان الكفاءة المهنية في كلا النظامين  ليتبين أن النظام الجديد أفضل بكثير من السابق ، علما أنه يتطلب  بدوره تعديلا جديدا ليس بالضرورة بالرجوع الى 4 سنوات عوض 6 سنوات . انه في نظري طرح خاطئ.

من جانب آخر، لا بد من الوقوف على العيوب والسلبيات التي تشوب اجتياز امتحان الكفاءة

المهنية، ونذكر من بينها على وجه الخصوص:

ـ شكل ومضمون الامتحان المهني ، حيث يتم التركيز على الحفظ  والجانب النظري وتهميش العقل والتحليل والتركيب، والبعد المهني / الحرفي /الميداني .

ـ غياب مرجعية واحدة وموحدة للامتحان وللمرشحين لاجتياز الامتحان، بمعنى غياب برنامج وزاري مرتبط بالامتحان المهني، يتم على أساسه تهيئ المرشحين وتأطيرهم وتكوينهم وصقل طاقاتهم ومؤهلاتهم وقدراتهم وكفاءاتهم ، حتى تساهم الوزارة في الرفع من المستوى المهني والمعرفي والبيداغوجي للمترقين، ويساهم هؤلاء في الرفع من المرد ودية وبلوغ جودة الخدمات في التعليم ...

ـ غياب برنامج تكوين المكونين والمشرفين التربويين في هذا المجال، مما يحول دون توحيد وتجانس مقاييس التقويم لدى المصححين كشرط لضمان الموضوعية والنزاهة والعدل والمصداقية لعملية التصحيح في حد ذاتـهـا.

ـ غيـاب التنسيـق بين المركز الوطني للامتحانات والوزرة لدرجة يبـدو وكأنـه مكتب تقني ليس إلا.

ـ عدم التمييز بين أساتذة مختلف مواد التدريس ، مما يخلق تفاوتات ويعيق تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص في اجتياز الامتحان المهني .

ـ التأخير في إعلان نتائج الامتحان المهني يثير تساؤلات في صفوف المعنيين بالأمر، تساؤلات مرتبطة بالمصداقية والنزاهة والاستحقاق...

ـ غياب إرادة فعلية لدى الوزارة لمحاربة ظاهرة الغش المتفشية في الامتحان المهني والمسيئة للأسرة التعليمية، وذلك لاعتبارات غريبة. وهذا ممكن على أساس إحداث تغييرات جوهريـة ( مثـلا: الاعتماد في كل المواد على دراسة الحالة.)، تكسير التابوهات بتنظيم حملات تحسيسية حول ظاهرة الغش بشكل عام داخل قطاع التعليم ، وبشكل خاص ، بمناسبة اجتياز الامتحانات المهنية .

ـ عدم إعطاء الحق للمعنيين للاطلاع على أوراق الامتحان  المهني  والطعن في النقطة وفي إعادة التصحيح ...وهذا حيف يجب تجاوزه .

 

 

مـلاحظــات خـتـاميــة:

الملاحظـة الأولـى: هل ستتعامل الحكومة بشكل ايجابي وجدي مع المذكرة المشتركة بين وزارة التربية الوطنية  والنقابات التعليمية الخمس ، وتستجيب  للمطالب المشروعة لنساء ورجال التعليم ؟

وفي حالة الإيجاب، هـل ستستفيد الحكومة الحالية من أخطاء الحكومات السابقة أثناء مراحل التفاوض ، وتتجنب المنطق التبريري / الإيديولوجي / التقنقراطي / المالي الصرف بغية إضفاء المصداقية  على الحوار الاجتماعي وعلى المؤسسات في أفق إرساء  الاستقرار والسلم الاجتماعي داخل القطاع ؟ أم أنها ستحدو حذو سابقاتها وتحاول إفراغ بنود المذكرة / الاتفاق من محتواها، وتعيد عقارب الساعة الى الوراء والتوتر والنزاع الى الواجهة ؟ هذا ما لا نتمناه طبعا .

وهنا لا تفوتنا الفرصة للتذكير أن مشروع النظام الأساسي المتفق عليه بين وزارة التربية الوطنية والنقابات التعليمية في يوليوز 2001، أفضل بكثير من المذكرة الجديدة لفاتح غشت 2007  مما يعني أننا أضعنا وقتا ثمينا ( سبع سنوات تقريبا ) للاتفاق من جديد على مشروع قانون جديد / قديم ينتظر بدوره الضوء الأخضر للمرور.

المـلاحظـة الثانيـة:

أي دور للنقابات التعليمية الخمس في إخراج المذكرة من الرفوف وتحريك المتابعة والتواصل مع الجهات الحكومية المعنية بالملف؟ هل ستدبر النقابات المتابعة والتفاوض مع الحكومة بنفس الحماس والقوة التي سادت  خلال السنة الفارطة؟ هل ستعمل على تغليب مصلحة نساء ورجال التعليم  على المصالح الضيقة، في ارتباطها بالعلاقات الحكومية والحزبية؟ أم أن هذه الارتباطات من جهة، والرهانات الانتخابوية السياسوية والمهنية من جانب آخر، سيخلق شرخا داخل الجسم النقابي الغير متجانس والمنشطر أصــلا .؟

أطرح هذه الأسئلة، وأعود بالذاكرة الى التجربة الأولى من التفاوض النقابي التعليمي/الحكومي حول الصيغة الأولى ليوليوز 2001، تجربة كان لبعض الممارسات والحسابات أثناءها  دورا سلبيا في عدم الحصول على مكاسب أكثر في المفاوضات ـ وهل ستعود نفس السلوكيات والعقليات والثقافة التي سادت خلال مراحل التفاوض والحسم في اتفاقي 28 يناير و 14 دجنبر 2005 . هذه المعيقات  مرتبطة أصلا بالانشطار النقابي وبالصعوبات التي تعترض الحركة النقابية في تدبيرها للملفات. مما يستدعي إعادة طرح مسالة الوحدة والتعدد النقابي  بما يخدم المصلحة العليا لنساء ورجال التعليم وللقطاع.

 الملاحظـة الثـالثــة:

هل الترقية الداخلية حق أم امتياز؟ أم أنه حق وامتياز في آن واحد؟ هل نظام الترقية الحالي منصف، أي بمعنى آخر، هل يكافئ الاستحقاق والمجهود؟ أم أنه نمطي يتساوى فيه الجميع بعض النظر عن المجهود والاستحقاق؟

الجواب سيتخلف طبعا حسب المقاربة المعتمدة. هل هي مقاربة واقعية وموضوعية تضع في اعتبارها المصلحة المشتركة للعاملين بالقطاع من أساتذة وتلاميذ وآباء، وللمنظومة التربوية؟ وفي هذه الحالة، يمكن التعامل مع الترقية على أنها حق وامتياز. مما يتطلب اعتماد ما أصبح يصطلح عليه بالتمييز الايجابي بين الاستحقاق وعدمه، بين المجهود والاجتهاد والمر دودية والخمول واللامسؤولية، بين الجودة والرداءة ... وهذا من شأنه أن يعطي لتحفيز العنصر البشري داخل القطاع بعدا وعمقا آخـر، ويساهم في الرقي بالمستوي والحرفية والجودة داخل القطاع، وسيشجع التنافس الايجابي المنتج ..عكس النظام الحالي الذي ينعكس بشكل سلبي على نفسية الأساتذة وعطاء اتهم، ويدفعهم إلى التقهقر  والإحباط واليأس ـ انه فعلا نظام غير محفـز.

وحتى المقاييس والعناصر الجديدة التي أتى بها النظام الجديد ل 2 دجنبر 2005 ، بشأن تحديد شروط ترقي موظفي الدولة في الدرجة أو الإطار، لا تستجيب للمتطلبات المذكورة أعلاه ، خاصة أنها تحتوي على عيوب كبيرة، زيادة على أنها لا تستجيب  لطبيعة القطاع ، ولا توفر شروط الموضوعية والنزاهة والعدل ... ناهيكم عن غياب الموارد البشرية المؤهلة والشروط الملائمة.

 فعلى الجميع أذن أن يتحمل المسؤولية، كل من موقعه. على الحكومة أن تعتمد مقاربة  جديدة في تعاملها مع المذكرة المشتركة  الموضوعة لديها منذ نهاية السنة الدراسية الفارطة بغية إرساء علاقات مهنية سليمة وطبيعية داخل قطاع التربية والتكوين. وعلى الحركة النقابية أن تكف عن التعامل مع نساء ورجال التعليم كمجرد ورقة انتخابية سياسية أو مهنية، خدمة لمصالح نقابية وحزبية وحكومية ضيقة ، أو كمجرد زبناء ومناصرين ، وأن تعمل على بناء نقابة المنخرط /المناضل/ المنضبط /الملتزم / الواعي / الايجابي / المساهم في تنشئة الأجيال وتربيتهم وفي التنمية الاجتماعية والمجتمعية .. إنها أفكار وملاحظـات تتطلب  أكثر من شجاعـة وجرأة وندوة وملتقى وأيام دراسية ...

البشيــر  لحسينــي

عضـو الأمـانـة الوطنيــة

للجامعـة الوطنيــة  للتعليـم